رَدُّ بَعْضِ شُبُهَاتِ المُلَبِّسِ الغَوِيِّ المُجِيزِ للاِحْتِفَالِ بالمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ

السائل : محمد من المغرب وفقه الله وسدده:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شيخنا حفظكم الله يقول أحد مناصري إقامة المولد النبوي هذا الكلام:
( نحن لا نقول بالوجوب لإحياء المولد ، ولا دليل أيضا فيما ذكروه على التحريم، وقد قال الله تعالى في سورة يونس, الآية 58: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) 

وفيها دليل واضح على شرعية إظهار الفرح والسرور في مثل هذه المناسبة إن لم نقل بالوجوب لأن قوله (فليفرحوا) أمرٌ والأمر ظاهره الوجوب، فأقل أحوالها أن تدل على الندب أو الإباحة، فإن قيل: لا ذكر في الآية للنبي.! -قلنا : بلى، فقوله (وبرحمته) يدخل النبي، بدليل قول تعالى في سورة الأنبياء, الآية 107: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)

والمراد مجيئه ومجيئ رسالته وشرعه فقد نصت الآية على أنه رحمة وأي رحمة أكبر من وجود النبي الأمي بين ظهراني العرب، وأي رحمة أوسع من الإهتداء بنور شريعته، وأيضاً يقول الله تعالى(ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) وأي شعار للمسلمين أعظم من محمد وما جاء به. وأقل التعظيم أن نحيي ذكره في قلوبنا ونظهر محاسنه للناس ونعرف الجاهلين قدره،

ونخزي الكافرين بإعلان الولاء له، لا بالمعازف والرقص والغناء وشرب الخمور كما يتوهمه الناقد، بل بالتنويه بعظيم شأنه وأخلاقه، وإظهار شيء من سيرته، والعجب ممن يعترضون على كل ما له علاقة بالنبي محمد ص فيحرمون زيارة قبره ويقتلون أبناءه ويمحون آثاره ويمنعون الإحتفال بولادته وبعثته وهجرته ووالخ -هل هم مسلمون؟ -وهل يحبون النبي الأعظم ص؟ -وهل يسمعون ما تقوله أفواههم؟ ويرون ما يفعلون؟ ويعون أين يذهبون؟؟؟* ) انتهى كلامه بحروفه.

كيف الردُّ الرادع على هذا المُدَّعِي ؟ حتى نستفيد من علمكم زادكم الله من علمه وجزاكم الله خيرا

 الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

■ وجوابًا على سؤالك وعن شبهات هذا الدَّعِيِّ للعلمِ، أقول وبالله التوفيق:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد:

فإن مُراوغاتِ وتُرَّهات أصحاب الهَوَى والضَّلالِ لا تنتهي ! إلا باهتدائهم إلى الحقِّ -وذلك ما نرجوه من الله تعالى- ، أو بهلاكهم على الباطل! -عياذا بالله تعالى-.

وإنَّ حبَّ النبيِّ الأكرم والفرحَ ببعثته صلى الله عليه وآله وسلم لا يكون في يوم واحدٍ أو يومين أو ثلاثة من السنة فقط ! ؛ بل في كل ساعة ولحظة من لحظات حياتنا.

وإنَّ الحُبَّ الحقيقيَّ له، والفرح الصحيح به وبشريعته صلى الله عليه وآله وسلم إنَّما يكون باتِّباع دينِه، وإحياءِ سنَّتِه، وبالعملِ بذلك والفرح به في كل وقتٍ وحينٍ، لا في أيامٍ معدودةٍ من السنة فقط ! وليس حبُّه والفرح ببعثته صلى الله عليه وآله وسلم بإحداثِ ما نهَى عنه، وحذَّر منه أشدَّ التحذير ؛ كتحذيره مما تفعلونه مِن شِرارِ الأمورِ ومُحدثاتِها وبِدَعِها !

فالحبُّ يستلزم الطاعة كما قال تعالى: (( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ))* آل عمران (٣١)

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:

( كُلُّ أُمَّتي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَن أَبَى، قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَن يَأْبَى؟ قالَ: مَن أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَن عَصَانِي فقَدْ أَبَى ) رواه البخاري في صحيحه.

فأيُّ الناس أعظمُ حبًّا له وفرحًا به وببعثته صلوات ربي وسلامه عليه ، نحن أتباعه على الحقيقة أم أنتم المُدَّعون لذلك يومًا من الدَّهر ؟!
وأنتم المخالفون لأوامره ، والواقعون في نواهيه صلوات ربي وسلامه عليه.

وأما تحريفهم لمعاني كلام الله تعالى ليُوافِقَ ذاكَ التحريفُ بِدَعَهم ، وينصروا به باطلهم بذكرِ آياتٍ قرآنيةٍ لا وجهَ فيها لما استدلوا به فكثير جدًّا ! ؛ من ذلك ما ساقه هذا المُلبِّسُ من قول الله تعالى:

(( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ )) يونس (٥٨)

ومن قوله تعالى: (( ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ )) الحج (٣٢)

وتحريفه للكَلِمِ عن مواضعِهِ! بإدخال بدعة الاحتفال بالمولد النبوي في قوله تعالى: (بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ) من الآية الأولى، وفي قوله تعالى (شَعَائِرَ اللَّهِ) من الآية الأُخرَى! فهذا عجَبٌ عُجَابٌ! لم يقل به أحدٌ من السَّلفِ الكرام وعلى رأسهم أصحابُ محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

فهل أنتم أعظمُ فهمًا لمعاني كلام الله تعالى من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين شهدوا معه التنزيل، ووفقهم الله لحُسنِ المعاني والتأويل ؟!

وهل أنتم أشد حُبًّا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومولده وبعثته .. من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ؟!

فلماذا لم يحتفلوا بمولده ولا ببعثته ولا بإسرائه ومعراجه ولا بهجرته .. صلى الله عليه وآله وسلم ؟

ولماذا لم يستدلُّوا بهذه الآيات العظيمات وأمثالها على ما ادَّعيتم من *مشروعية* الاحتفال بالمولد النبوي إن لم تقولوا بالوجوب؟!

فهل أنتم أفهمُ لكتاب الله تعالى منهم ؟!

أم أن الصحابة رضوان الله عليهم أولياء الله يكرهون النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم -وحاشاهم- ،
والعبيديون الفاطميون الروافض أعداء الله الذين ابتدعوا لكم هذا الاحتفال يُحِبُّونه ؟!

أو أنتم أشد حُبَّا له صلى الله عليه وآله وسلم من الصحابة جميعا ؟!

إنَّ العاقلين الناصحين لأنفسهم ولدينهم سيُجيبون بالحق ويتَّبعُونه وينقادون له، ويخلعون من أعناقهم رِبْقة التقليد الأعمى بغير علمٍ ولا هُدًى ولا كتابٍ منير.

وأمَّا أصحاب الهوَى فلا حيلة لنا فيهم.

فأسأل الله أن يهديهم ويبصرهم ويشفيهم من ضلالهم وإضلالهم، أو أن يأخذهم أخْذَ عزيزٍ مُقتدِرٍ .. آمين

وهل من حُبِّ وتوقيرِ وتبجيلِ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأدبِ معه أن ترمز للصلاة والسَّلام عليه في كتابتك هذه ب ( *ص* ) ! وما كلَّفتَ نفسكَ حتَّى كتابةَ الصلاة والسلام عليه كاملة تأدُّبًا معه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحابته أجمعين كما نبَّهَ على ذلك أئمة الحديث والسنة الذين رفعوا رؤوسهم باتباع الكتاب والسنة، ولم يرفعوا رأسًا ببدعة الاحتفال بمولده صلى الله عليه وآله وسلم.

فهذا حُبُّكم ! بل جهلُكم الحقيقي قد ظهر بين ثنايَا ما تكتبون وتدَّعون وتزعُمون !

ولكم نصيبٌ وافرٌ من قول الله تعالى في سورة *محمد صلى الله عليه وآله وسلم:*

(( وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ )) (٣٠)

اللَّهُمَّ مَن كانَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى غَيْرِ الحَقِّ ، وهُوَ يَظُنُّ أنَّهُ عَلى الحَقِّ ! فَرُدَّهُ إلى الحَقِّ لِيَكُونَ مِنْ أهْلِ الحَقِّ .. آمين آمين والحمد لله رب العالمين.

والله تعالى أعلم

أبو_إسحاق_الهلالي_المرزوقي
عفا الله عنه بمنه وجوده وكرمه
أصيل يوم الأربعاء ٢ / ربيع الأول / ١٤٤٤