إزالة الإلتباس وإيضاح البيان عما استشكله حبيبنا أحمد أبو لقمان

أخونا الحبيب السائل : أبو لقمان أحمد الجزائري -وفقه الله- يسأل فيقول :

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
حياك الله أخي أبا إسحاق
استشكل علي ما نقله الشيخ رضا بوشامة وفقه الله، عن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في مقاله عن أبي هريرة رضي الله عنه في مجلة الاصلاح السلفية – العدد ٦١ وهو :

(( – الوجه رابع: أن عبد الله -أي ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما- ظفر في الشام بِحِمل جَملٍ من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين” فتح الباري”(207/1) )) انتهى.

● وإشكالي -بارك الله فيك- : هل يُعَدُّ تركُ أئمة التابعين للرواية عن هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه قدح في عدالة الصَّحابي ؟! ؛ إذ كيف يعقل أن يترك حديثه مخافة إختلاط ما يُحدِّث به مع كتب أهل الكتاب !!، فكان الأجدر بالشيخ رضا -حفظه الله وبارك في علمه- شرح هذه الجزئية وتوضيحها، لأنها غاية في الإبهام.
والله أعلم.
ولكن لو تكرمتم و شرحتم لنا هذا الأمر نكن لكم من الشاكرين.
وجزاكم الله خيراً.


● الجواب والبيان :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أخي الكريم

● وجواباً على استشكالِك -المُشكِل!- أقول :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد:

فلا إشكال فيها -بحمد الله تعالى- عند أهل الحديث ولا إبهام فيها!

فضلاً أن تكون غاية في الإبهام !!

جعلني الله وإياك من أهل الحديث والسنة .. آمين

وجزاك الله خيراً على حرصك الشديد على رواية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد ذكر أهل الحديث رحمهم الله تعالى في كتب المصطلح جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم قد عُرِفُوا بالأخذ عن أهل الكتاب منهم عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس وغيرهما رضي الله عنهم جميعاً.

*ولم يقل أحدٌ منهم أن حديثهم قد تُركَ كما عبَّرتَ أنت!*

وإنما غاية ما في الأمر أن *بعض* أئمة التابعين فضَّلُوا النَّقل عمَّن لم يَخلِط روايته برواية أهل الكتاب ليتلقوا عنه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم خالصةً من دون روايات أهل الكتاب كراوية الإسلام أبي هريرة وغيره كثير رضوان الله عليهم.

*ولا يُقال في مثل هذا : (يُترك حديثه) !!*

فتنبه وفرِّق بين الأمرين -بارك الله فيك- ؛ فإنَّ من تُرك حديثه *لا يُروَى عنه إلا من باب بيانِ ضَعفِه! وتخليطِه الشديد! وخطئِه الكثير!!*

وحاشا الصحابة رضوان الله عليهم من هذا كلِّه فإنَّهم كلَّهم ثقاتٌ أثباتٌ عدولٌ.

وتفريق الأئمة بين من جَرَت له الرواية عن أهل الكتاب وغيره لها فوائد عظيمة ؛ من أعظمها الحكم على الحديث الذي يرويه الصحابي موقوفاً عليه ممَّا لا مجال للرأي فيه أنه مرفوعٌ للنبي صلى الله عليه وسلم *حُكماً* إن كان راويه من الصحابة -رضوان الله عليهم- لم يُعرَفْ عنه الرواية عن أهل الكتاب.

*وكفى بها فائدة عزيزة. وهذا من أعظم دِقَّةِ أهل الحديث والأثر رحمهم الله تعالى.*

● وأما تساؤلُكَ هل هذا الصنيع من بعضِ الأئمةِ يُعَدُّ قَدْحاً في عدالةِ الصَّحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما الذي عُرِفَ بالرواية عن أهل الكتاب ، فالجواب عنه : لا . ولا يخطُرُ بِبَالِ أهلِ العِلمِ الرَّاسخين فيه أصلاً !.

ونقل الشيخ رضا -حفظه الله تعالى- عن الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- يدلُّ على ذلك ؛ فلو كان قدحاً في عدالة أحد الصحابة رضوان الله عليهم لما نقله الشيخ عن الحفاظ المُتقنِين المُبجِّلِين لِجَنابِ الصَّحابة رضوان الله عليهم مُقرِّين لَهُ.
ولَمَا عدُّوهُ أصلاً وجهاً من وُجوهِ الإجابةِ عن سببِ قِلَّةِ روايات عبد الله بن عمرو مقارنةً برواياتِ أبي هريرة أو غيرِه رضوان الله عليهم جميعاً.
وإن كانت الوجوه الثلاثة قبله خيرٌ منه. والله أعلم

ويكفي في ردِّ استفهَامِكَ هذا -بارك الله فيك- ألاَّ قائلَ به أصلاً -فيما أعلم- فلا تقل في مسألةٍ ليس لك فيها إمامٌ سابقٌ لك إليها !

ولم أرَ في كلام أهل الحديث والمصطلح مَنْ عَدَّ الرواية عن أهل الكتاب قادحٌ في العدالةِ!
فضلاً أن يكون تَجنُّبَ البعضِ الرواية عَمَّن اشتُهر بالرواية عنهم قادحٌ في الراوي عنهم أو في عدالته !!!

ودُونكَ كُتبُهم مسطورةٌ مبثوثةٌ.

وأكتفي بهذا القدر.

ولعلَّ الأمر قد انجلى لك واتَّضحَ بهذا التوضيح والبيان إن شاء الله تعالى.

● وأختمُ فأقول : إنَّ صنيعَ الشيخ رضا -وفقه الله تعالى- صوابٌ وهو جارٍ على سَننِ أهل الحديث في تأصيل أصول الحديث وفروعِه ، ورَدِّ ما يَرِدُ عليها من إشكالاتٍ بكلامِ أئمة الاختصاص كالحافظ ابن حجرٍ وغيرِه رحمه الله تعالى.

ولم يكن -وفقه ربي- بصدد بيان هذه المسألة بعينها حتى يُلزَم ببيانها وإزالة ما قد يُشكِلُ على البعضِ وهو واضحٌ -بحمد الله تعالى- عند الكثيرِ من المُتمرِّسِين في هذا الفَنِّ الجليل.

لذا أدعو نفسي وحبيبي

أبا لقمان إلى كثرة المطالعة لكتب أئمة الحديث سيما كتب الخطيب البغدادي بأنواعها والحفاظ ابن الصلاح والعراقي وابن رجب وابن حجر والصنعاني ، والعلامتين المعلمي والألباني وغيرهم رحمة الله عليهم جميعاً.

كما أدعو نفسي وأخي الحبيب أبا لقمان وأحبتي السلفيين جميعاً إلى تعظيم العلمِ وأهلِه ؛ لا سيما أهل الحديث والسُّنَّة، وعدم التسرُّع بالإنكارِ عليهم، واتهام النَّفسِ قبل توجيه سِهامِ النَّقدِ إليهم!.

فإن وجدنا -بعد التثبُّت- خطأًً أو وَهَمًا .. رددناه بأدبٍ جَمٍّ ، وبيَّنَّا الحقَّ بأسلوبٍ لَطيفٍ مُنَاسِبٍ لِمَقامِ المردود عليه.

والله المُوفقُنَا والهَادِينَا إلى سبيل أهل الحقِّ والسُّنَّة في أمورنا كلِّها .. إن ربي لسميع الدعاء.


*والله تعالى أعلم*
*وصلى الله على نبينا محمد*
*وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً*

*كتبه / أخوك ومحبك في الله*
أبو إسحاق الهلالي المرزوقي
*-غفر الله لي ولك-*
*بمكة المكرمة*
*من أمام البيت العتيق*
*ليلة السبت ١٢ شوال ١٤٤٠*