بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله القائلِ في مُحكَمِ تنزيلِه : (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ* )) الآية المائدة ٦٧
والصلاة والسلام على رسولِ الله القائلِ في صحيحِ سنَّتِه : (( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ))* البخاري (٣٢٢٦).
وعلَى آلِه وصَحبِه ومن اهتدَى به وبَلَّغَ للنَّاسِ هُدَاه أمَّا بعد :
فقد راسلنِي من بلاد الصُّومال الحبيبة أخوناَ : أبو مسعود الإسحاقي -وفقه الله- يَسألُ ويَستفْسِرُ عن كيفيةِ رَدِّ شُبهتين أُثِيرَتاَ عِندَهُم من شبه التبليغيين الضَّالين فكان نصُّ سؤالِه :
(( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياك الله ..
▪هنا عندنا شبهة يستدل بها جماعة التبليغ لتبرير بدعتهم ؛ وهي أن الإنسان يجب عليه أن يترك أهله وذويه لأجل الدعوة إلى الله تعالى كما فعل ذلك نبي الله إبراهيم عليه السلام. حينما ترك زوجته وابنها ؟
فكيف يكون الرد ؟
▪الشبهة الثانية : قولهم إن الخروج إلى البلاد أربعين يوما مما فعله نبي الله موسى عليه السلام يوم دعاه ربه إلى الجبل ، فكانت المدة أربعين يوما.
فكيف يكون الرد على هذه الشبهة ؟
وجزاك الله خيرا .. )) انتهى استفساره.
● وجواباً على طلبِه وسؤالِه أقول*، *وبالله أصُولُ وأَجُول :*
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أخي الكريم*
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد :*
فشبهات جماعة التبليغ كثيرة ، وكثيرة جداً لجهلهم بدين الله تبارك وتعالى.
والجوابُ على شبهاتِهم وما يقذفونه من زُخْرُفِ القولِ سهلٌ ميسورٌ لِمنْ بصَّرَهُ ربُّه بالعلم النَّافع وتلمَّسَ واستبْصَرَ فاستبَانَتْ عندَهُ سبيلُ المؤمنين.
وأنصح نفسي أولاً ،
وإخواني المسلمين ثانياً ألاَّ نكون من السَمَّاعِين للشُّبهَاتِ والإيراداتِ! ؛ فإن القلوبَ ضعيفةٌ والشُّبَهَ خطافةٌ ! ولم يكن هذا من سبيل سلفنا الصَّالح إلاَّ للمتمرِّسين في العِلمِ ليرُدُّوهاَ ويُزهِقُوهاَ بالعلمِ والحُججِ الدَّامِغَةِ ، مع حَذرِهم الشديدِ منها ؛
لِعِلْمِهم اليقينيِّ ألاَّ أحدَ بِمَأمَن مِن شِبَاكِهاَ وحبائِلِهاَ مهما علاَ شأنُه في العلم أو العبادة والطاعة، أو في المجاهدة والدعوة، أو فيها جميعاً! إلاَّ مَنْ وفَّقَهُ اللهُ وعَصَمَه.
جعلنا الله جميعاً منهم بجودِه وكرمِه .. آمين.
▪قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في ” مفتاح دار السعادة ” (١٤٠/١) : ” قال لي شيخ الإسلام (ابن تيمية) -رضي الله عنه – وقد جعلت أُورِدُ عليه إِيرادٍ بعدَ إيرادٍ :
(( *لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها؛ فلا ينضح إلا بها! ، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها؛ فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أَشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقراً للشبهات*، أو كما قال )) ”
▪ثم قال ابن القيم -رحمه الله- بعدَها :
” *فما أعلمُ أنِّي انتفعتُ بوصيةٍ في دفعِ الشبهاتِ كانتفاعِي بذلك* “.
*فاستمسكُوا بهذه الفائدةِ العظيمةِ واعملُوا بهاَ .. بارك الله فيكم*
فلو عَرَضتْ لنا شُبهةٌ من شبهات المنحرفين عن السنة على اختلاف توجُّهاتِهم وانحرافاتِهم .. سواء كانوا تبلغيين أو تكفيريين أو إخوان مفلسين أو حدادية ماكرين أو مفرِّقين مُفسِدين .. أو غيرهم من الضُّلاَّل المُتنكِّبين عن الصراط المستقيم ، فإننَا نُمِرُّها ولا نُقِرُّهَا في قلوبِنا ، ثمَّ نرجعُ في كشفِ زَيفِهاَ إلى كِبارِ أهل العلم ليُفنِّدُوا ما فيها من شرٍّ ، ويُزهِقُوا ما فيها من رُوحِ الباطل! وزُخرُفِ القول!! بارك الله فيكم.
” *وإنَّما سُمِّيت الشبهة شبهة لاشتباه الحق بالباطل فيها ؛ فإنها تلبس ثوب الحق على جسم الباطل ، وأكثر الناس أصحاب حسن ظاهر! فينظر الناظر فيما أُلبِسَتْهُ من اللباس فيعتقد صحَّتَها ! وأما صاحب العلم واليقين فإنه لا يغتر بذلك بل يجاوز نظره إلى باطنها وما تحت لباسِها ، فينكشف له حقيقتُها.*
*ومثال هذا الدرهم الزائف فإنه يغتر به الجاهل بالنَّقد نظراً إلى ما عليه من لباس الفضة ، والناقد البصير يجاوز نظره إلى ما وراء ذلك فيطلع على زيفه.*
*فاللفظ الحسن الفصيح هو للشبهة بمنزلة اللباس من الفضة على الدرهم الزائف ، والمعنى : كالنحاس الذي تحته!*
*وكم قد قتل هذا الاعتذار من خلق لا يحصيهم إلاَّ الله* ”
• مفتاح دار السعادة (١/ ١٤٠-١٤١).