قَبُولُ الْحَقِّ مِمَّنْ جَاءَ بِهِ، وَإِيثَارُ الْهَدْيِ الْمَأْثُورِ وَمَحَاسِنُ الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ، وَمَا فِيهِ مِنْ نُورٍ عَلَى نُورٍ

▪︎ السَّائل الفاضل : أخونا الشيخ الحبيب أبو عبد الله الزهراني المكي -ما زال مُوفَّقًا مُسدَّدًا، آمين- يسأل فيقول:

« السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أسعد الله أوقاتك يا شيخ زهير.

قد وردتني رسالة من أحد الأحبة في الله فيها هذا الدعاء:
( اللهم اجعل تكفير ذنوبي برحمة من عندك لا بمصيبة تصيبني في نفسي أو مالي أو ولدي ).

وهو منسوب في منشور إلى وليد بن راشد السعيدان -هداه الله-، ومع ما هو معروف من مخالفته لأهل السنة في منهجهم وطريقتهم، إلا أن معنى الدعاء في ظاهره جميل.

فسؤالي -بارك الله فيكم-: هل هذا الدعاء مشروع ؟،
وهل يجوز للإنسان أن يدعو به ؟
أم أن الأولى الاقتصار على الأدعية الواردة في الكتاب والسنة وما ثبت عن سلفنا الصالح، باعتبار أنها أكمل وأولى بالاتباع ؟
فما رأيكم، حفظكم الله؟
أفيدوني -حفظكم الله- بجوابٍ مُفصَّلٍ مُطوَّلٍ بالأدلة، وفق فهوم أهل العلم والإيمان، يُثلج صدري، ويُفيدني اللهُ به وإخواني، حفظكم الله وجزاكم الله خيرًا »

■ الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

وأسعد الله أيَّامكم ولياليكم، ودنياكم وآخرتكم؛ أنتم ومن تحبون أخي الحبيب الشيخ أبا عبد الله.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد:

▪︎ فجوابا على سؤالك الطيب أقول وبالله أصولُ وأجول:

فهذه المسألة تحتاج إلى ميزان علمي دقيق قارٍّ على العدل والقسطاس المستقيم؛ فلا يُقال: إن كل ما عند المخالف باطل فيُرد جملةً، كما لا يُقال: إن ما قاله من الحق في موضع يقتضي قبول طريقته ومنهجه جملة، أو تزكية أقواله وأحواله في سائر المواضع.

▪︎ أولا: الحق يُقبل ممن جاء به، ولا يُرد لمجرد قائله

إن الحق -أخي الحبيب- إنما يُعرف بالدليل، ولا يُعرف بالرجال؛ غير محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

فالحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف بالدليل؛ فما وافق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم قُبل، وما خالفهما رُدَّ، ولا تمنع مخالفة الرجل في بابٍ أو مسألةٍ من قبول الحق الذي وافق فيه الدليل في بابٍ آخر أو مسألةٍ أخرى.

والواجب على المسلم أن يكون قصده اتباع الحق، فيقبله ممن جاء به، ويرد الباطل ممن صدر عنه، فلا يُقبل الخطأ لمجرد محبة قائله، ولا يُرد الصواب لمجرد مخالفة قائله في مسائل أخرى.

بل قد يكون عند الرجل من الحق ما يُقبل، وعنده من الخطأ ما يُرد، والعبرة في ذلك كله بالدليل.

فمن جاء بكلام وافق الكتاب والسنة وقواعد الحق، قُبل منه ذلك القدر، ومن جاء بالباطل رُدَّ عليه باطله، سواء كان القائل حبيبًا مُوافِقًا مُؤالِفًا، أو مُبغَضًا مَذمُومًا مُخالِفًا.

▪︎ وقد قرَّر شيخ الإسلام ومُفتِي الأنام -في زمنه بلا مُنازِع- ابن تيمية رحمه الله تعالى هذا الأصل تقريرًا نفيسًا، فقال رحمه الله تعالى:

« والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق، وألا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني -فضلًا عن الرافضي- قولًا فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل، دون ما فيه من الحق.
ولهذا جُعل هذا الكتاب: “منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية”، فإن كثيرًا من المنتسبين إلى السنة ردوا ما تقوله المعتزلة والرافضة وغيرهم من أهل البدع بكلام فيه أيضًا بدعة وباطل!، وهذه طريقة يستجيزها كثير من أهل الكلام!، ويرون أنه يجوز مقابلة الفاسد بالفاسد!، لكن أئمة السنة والسلف على خلاف هذا، وهم يَذمُّون أهل الكلام المُبتدَع الذين يردون باطلًا بباطل وبدعة ببدعة، ويأمرون ألا يقول الإنسان إلا الحق، لا يخرج عن السنة في حال من الأحوال.
وهذا هو الصواب الذي أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولهذا لم نَرُدّ ما تقوله المعتزلة والرافضة من حق بل قبلناه، لكن بيَّنا أن ما عابوا به مخالفيهم من الأقوال ففي أقوالهم من العيب ما هو أشد من ذلك ».
[منهاج السنة النبوية (٣٤٣/٢)]

وهذا أصل عظيم في عدل وإنصاف أهل السنة السلفيين؛ فإن ردَّ باطل المخالف لا يستلزم ردَّ كلِّ ما عنده، كما أن قبول حقِّه لا يستلزم قبول باطله.

ولهذا لا يصح أن يقال: ما دام القائل مخالفًا في المنهج، فكل ما صدر عنه مردود؛ فإن هذا ليس من طريقة أهل السنة، وإنما السنة هي التفصيل والعدل، فيُقبل الحقُّ بدليله، ويُرَدُّ الباطلُ لمخالفته الدليلَ.

▪︎ وقال أيضا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:

« وليس كل من ذكرنا شيئًا من قوله -من المتكلمين وغيرهم- يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب وغيره، ولكن الحق يُقبل من كل من تكلم به ».
[مجموع الفتاوى (١٠٢/٥)]

▪︎ وقال أيضًا عليه شآبيب المغفرة والرحمة والرضوان:

« ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه، وبه يحصل الفرقان والهدى والعلم والإيمان، فيصدق بأنه حق وصدق، وما سواه من كلام سائر الناس يُعرض عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل ».
[مجموع الفتاوى (١٣٦/١٣)]

فالمقصود: أن قبول الحق من قائله لا يعني تزكية القائل، ولا تصحيح منهجه، ولا الرضا بأخطائه الأخرى؛ وإنما هو قبول للحق الذي عرضه علينا ووافق فيه الدليل الصحيح الصريح.

والعبرة بصحة القول وموافقته للحق، لا بمجرد نسبة القول إلى قائله؛ فما وافق الكتاب والسنة قُبل، وما خالفهما رُدَّ، مع حفظ ميزان العدل في الحكم على المناهج والأقوال والأفعال والجماعات والأفراد.

▪︎ ثانيا: أصل الدعاء، وما وافق منه الحق

الدعاء من أجلِّ العبادات، قال الله تعالى:

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾

وقال سبحانه:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

“الدعاء هو العبادة” رواه الإمام الترمذي في “سننه” وصححه الإمام الألباني رحمهما الله تعالى.

وأما الدعاء المسؤول عنه، فبعض معانيه صحيح ومشروع؛ كسؤال الله تعالى رحمته ومغفرته وتكفير ذنوب العبد، وسؤاله العافية في النفس والمال والولد، وهذا كله من المعاني التي دل عليها الكتاب والسنة، وكان على العمل بها سلفنا الصالح رضوان الله عليهم.

وقد قال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم:

“سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدًا لم يُعطَ بعد اليقين خيرًا من العافية” رواه الإمام الترمذي في “سننه” وصححه الإمام الألباني رحمهما الله تعالى.

والدعاء المذكور في أصله قائم على سؤال الله تعالى أن يكفّر ذنوب عبده برحمته وفضله، وهذا معنى صحيح في الجملة، غير أن في قوله: « لا بمصيبة تصيبني في نفسي أو مالي أو ولدي » نظرًا من جهة مقابلة المصيبة بالرحمة على هذا الوجه، كما سيأتي بيانه.

▪︎ ثالثا: الكلام على قوله: « لا بمصيبة تصيبني »

فإن المصائب ليست شرًّا محضًا، بل قد تكون سببًا لتكفير الذنوب، ورفع الدرجات، وزيادة الأجر، وإيقاظ القلب، وعودة العبد إلى ربه، وقد يكون في ظاهرها ما يكره العبد، ثم يتكشف له من رحمة الله وحكمته وتدبيره ما لم يكن ظاهرًا له.

بل قد تكون المصيبة في حق العبد بابًا عظيمًا من أبواب الرحمة، وسببًا لتكفير السيئات، ورفع الدرجات، وتحقيق مصالح عظيمة لا يعلمها إلا الله تعالى.

لكن الإشكال في مقابلة المصيبة بالرحمة، وكأن التكفير بالرحمة أمرٌ، والتكفير بالمصيبة أمرٌ آخر ينافي الرحمة أو لا يكون منها؛ فإن هذا الإطلاق غير دقيق، إذ قد يجعل الله تعالى المصيبة نفسها رحمةً بعبده، وسببًا لتكفير ذنوبه ورفع درجاته، وقد يكون فيما يكرهه العبد من البلاء من الخير والحكمة والرحمة ما لا يعلمه، ومن ثم فمقابلة المصيبة بالرحمة على هذا الوجه تحتاج إلى تصحيح ونظر قوي.

قال الله تعالى:

﴿ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:

“ ما يُصِيب المسلمَ من نصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا هَمٍّ ولا حزنٍ ولا أذى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه ” رواه البخاري ومسلم في “صحيحيهما”.

فرُبَّ مصيبة كان ظاهرها كسرًا، وباطنها جبرًا؛ ورُبَّ بلاء فتح للعبد باب توبة لم يكن ليفتح له في حال العافية؛ ورب ألم مَحَا من صحيفته من الخطايا ما لم يكن ليمحوه كثيرٌ من صالحِ عمله.

ولهذا فالأولى والأكمل أدبًا مع الله تعالى أن يسأل العبدُ ربَّه العفو والعافية، وأن يسأله أن يتفضل عليه برحمته ومغفرته وتكفير ذنوبه، من غير أن يجعل المصيبة في مقابلة الرحمة؛ فإن العبد لا يحيط بحكمة ربِّه سبحانه وتعالى في قضائه وتدبيره، ولا يعلم أين يَكمُنُ الخير له فيما يُقدِّره ربُّه -سبحانه وتعالى- عليه.

▪︎ رابعا: من أعظم ما يبين ذلك قصة موسى والخضر عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام

ومما يستوقف المتأمل في هذه القصة أن الله تعالى وصف الخضر عليه السلام بقوله:

﴿ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ﴾

فوصفه سبحانه بأنه عبد من عباده، وآتاه رحمة من عنده، وعلّمه من لدنه علمًا؛ فدل ذلك على أن الرحمة كانت أصلًا ظاهرًا في هذه القصة، وإن كانت بعض الأفعال في ظاهرها مما يستنكره من لا يعلم حقيقتها ومآلها.

فهذه الرحمة كانت أصلًا في تلك الأفعال والأحداث التي ظهرت لموسى عليه الصلاة والسلام في أول الأمر على صورة شديدة، حتى أنكرها أشدَّ الإنكار، ولم يصبر عليها؛ ثم تكشَّف له أن وراءها من حكمة الله تعالى ورحمته ولطفه ما لم يكن ظاهرًا له أول الأمر.

فخرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار بلا مقابل وهو في مسيس الحاجة إلى أن يأخذ عليه أجرا ؛ أمورٌ اشتدت في ظاهرها، وكان وراءها من رحمة الله تعالى وحكمته وتدبيره ما ظهر بعد ذلك.

وكان خرق السفينة في ظاهره إفسادًا وإضرارًا بأصحابها، ثم ظهر أن وراءه رحمةً وحفظًا لمالهم، كما قال تعالى:

﴿ فَأَردتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴾

وكان قتل الغلام في ظاهره أمرًا شديدًا عظيمًا، ثم ظهر أن وراءه رحمةً بالوالدين المؤمنين، وأن الله تعالى أراد أن يعوضهما خيرًا منه، فقال سبحانه:

﴿ فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ﴾

وكان إقامةُ الجدار في ظاهره عملًا كان يمكن أن يُستوفى عليه أجر، ثم ظهر أن وراء ترك الأجر رحمةً باليتيمين وحفظًا لمالهما، فقال سبحانه وتعالى:

﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ﴾

فتأمل -رحمك الله-: ثلاثة أمور في ظاهرها شدة أو نقص أو ما لا يظهر وجه المصلحة فيه، ثم تكشَّف وراءها من رحمة الله وحكمته وتدبيره ما لم يكن ظاهرًا لموسى عليه الصلاة والسلام ولا لنا.

فليس كل ما يؤلم العبد شرًّا محضًا، وليس كل ما يكرهه يكون شرًّا في مآله؛ فقد يقدّر الله على عبده أمرًا يكرهه، ويكون في عاقبته من الخير والرحمة والحكمة والمصلحة ما لا يعلمه العبد إلا بعد حين، وقد لا يعلمه في الدنيا أصلًا!

ولهذا كان من كمال العبودية أن يعلم العبد أن ربَّه حكيم رحيم، وأنه لا يقدّر شيئًا عبثًا، وإن خفيت عليه الحكمة؛ فيرضى عن الله في قضائه، ويسأله العافية قبل ابتلائه، فإذا نزل به ما يكره صبر واحتسب، وأحسن الظن بربه، وعلم أن وراء أقداره من الحكم ما قد تعجز العقول عن إدراكه.

وقد يكون فيما يقدره الله تعالى على عبده من البلاء من الخير والحكمة ما لم يكن يخطر له على بال، ولا يدور بالخيال !

▪︎ خامسا: الدعاء النبوي الجامع أكمل وأولى

وتأمَّل -رحمني الله وإياك والمسلمين- إلى دعاء نبيِّ الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم:

“اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتي”.

رواه الأئمة أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه رحمهم الله تعالى، وصححه الإمام الألباني في “صحيح أبي داود”، وحكم عليه بالصحة كذلك في “صحيح ابن ماجه” و”صحيح الترغيب” أيضا.

▪︎ فالعفو: هو التجاوز عن الذنب، وترك المؤاخذة به، ومحو أثره.

▪︎ والعافية: هي سؤال الله تعالى السلامة من الآفات والبلايا، في الدين والدنيا والبدن والأهل والمال، ودفع ما يَخشَى العبدُ نزولَه به.

ومن كمال هذا الدعاء وشموله أنه بدأ بسؤال العفو والعافية في الدنيا والآخرة، فجمع بذلك صلاح العبد في معاشه ومعاده، ثم خصّ من ذلك دينه ودنياه وأهله وماله، ثم سأل الستر والأمان، فقال: «اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي»، ثم سأل الحفظ من جميع الجهات، وختم بالاعتصام بعظمة الله تعالى والاستعاذة به من أن يأتيه الهلاك من حيث لا يشعر.

فتأمل كيف انتظم هذا الدعاء أصول مطالب العبد ومجامع حاجاته، فجمع العفو والعافية، وصلاح الدين والدنيا، وحفظ الأهل والمال، وستر العيوب، وأمن المخاوف، والحفظ من الآفات، والاعتصام بالله تعالى من المهالك؛ وكل ذلك في ألفاظ قليلة، لكنها مشحونة بالمعاني الجليلة والمقاصد العظيمة، مما يدل على كمال هديه، وعظيم سنَّته صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن كمال شموله أنه لم يقتصر في سؤال العفو والعافية على الدنيا، بل قرنهما بالآخرة؛ فإن حاجة العبد إلى عفو الله وعافيته فيها أعظم، وفي ذلك جمع لِخيرَيِ الدنيا والآخرة.

والعافية في الدين من أعظم ما يحتاج إليه العبد، ومن أجلِّ ما يَسألُ ربَّه جل وعلا؛ لأن سلامة الدين هي رأس مال العبد، وبها تكون النجاة والفلاح في الدارين.

ثم إنه صلى الله عليه وآله وسلم سأل ربه الحفظ من جهات متعددة: من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، واستعاذ بعظمة الله أن يُغتال من تحته، فاستوعب بذلك جهات الحفظ المذكورة، وسأل الله تعالى أن يتولاه بحفظه من جميع الجهات التي قد يأتيه منها الشر والضرر.

▪︎ سادسا: إيثار الأدعية النبوية وجوامعها، وجزالة ألفاظها وكمال أدبها مع الله تعالى

ومن هنا تظهر ضرورة العناية بالأدعية والأوراد النبوية الشرعية، والالتزام بها، والحرص على تقديمها على ما سواها؛ فإنها الأكمل من كل جانب: في ألفاظها ومبانيها، وفي أحكامها ومعانيها، وفي جمعها لخيري الدنيا والآخرة، وفي كمال أدبها مع الله تعالى.

فليس كل دعاء وافقت بعض معانيه الحق يبلغ في كماله وجمعه وإحكامه مبلغ الدعاء النبوي؛ إذ قد يدرك الإنسان معنى صحيحًا، لكنه يعبّر عنه بلفظ ناقص، أو يقيده بقيد غير مناسب، أو يغفل عن معنى أكمل منه؛ أما الدعاء النبوي فقد جمع بين صحة المعنى، وحسن اللفظ، وكمال الأدب، وسعة المقصد، وجمع خيري الدنيا والآخرة.

والدعاء النبوي أكمل من كل وجه في بابه، من جهة جزالة ألفاظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجمعه للمعاني، وكمال ابتهاله وأدبه مع ربه تبارك وتعالى.

وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستحب جوامع الدعاء، ويدع ما سوى ذلك، كما جاء في سنن الإمام أبي داود، وصححه الإمام الألباني رحمهما الله تعالى.

وليس معنى ذلك أن كل دعاء صحيح المعنى ليس مأثورًا يُمنع أو يُرد؛ بل يجوز للعبد أن يدعو الله تعالى بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، ما لم يتضمن دعاؤه إثمًا أو قطيعةَ رحمٍ أو اعتداءً أو معنًى فاسدًا.

لكن ليس كل دعاء صحيح المعنى مساويًا للدعاء النبوي من جهة كمال اللفظ، وجمع المعاني، وحسن المقصد، وسلامة العبارة، وعظيم الأدب مع الله، لذلك كان إيثار الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى وأكمل.

فما من عبد ينشئ دعاءً من عند نفسه إلا وهو دون ما أوتيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جوامع الكلم، وحسن الأدب مع الله تعالى، وجمع المطالب، وسلامة الألفاظ والمعاني.

وأما دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه صادر عن أعلم الخلق بربه، وأعرفهم بأسمائه وصفاته، وأعلمهم بما يصلح عباده، وأفصحهم لسانًا، وأجمعهم بيَانًا.

ولهذا كان في العدول إلى الأدعية النبوية غنى عن كثير من الأدعية المنشأة، وكان من تمام الفقه أن يحرص المسلم على حفظها وفهم معانيها والعمل بها، وتعليمها لعباد الله تعالى.

فالأدعية النبوية ليست ألفاظًا محفوظة فحسب، وإنما هي هدي نبوي جامع للعلم والعبودية والأدب وحسن الافتقار إلى الله تعالى.

ومن هنا كان الأولى بالمؤمن أن يجعل عنايته الكبرى بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأدعية والأذكار، وأن يتعلمها، ويتفقه في معانيها، ويكثر من الدعاء بها، فإن الخير كل الخير في هديه وسنته صلى الله عليه وآله وسلم.

▪︎ سابعا: قبول الحق لا يعني تزكية قائله

ومن أوضح ما يقرر هذا الأصل ما ثبت في قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان، حين أخبره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الشيطان قد صَدَقَه في بعض ما أخبره به، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:

“صدقك وهو كذوب”. رواه الإمام البخاري رحمه الله في “صحيحه”.

فهذا يدل على أن المخالف أو الكاذب أو المعاند قد يقول كلمة حق، فلا يكون صِدقُ تلك الكلمة موجبًا لتزكيته، ولا يكون عناده أو خَطؤُه أو مخالفته في مواضع أخرى مانعًا من قبول الحق الذي وافق فيه الصَّواب.

فكون القائل (صاحب مخالفات لمنهج أهل السنة السلفيين بحقٍّ) لا يجعل كل كلامه باطلًا، كما أن انتساب غيره إلى السنة والجماعة لا يجعل كل ما يقوله حقًّا؛ إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ولهذا يُقال: يُقبل من كلام المخالف ما وافق الدليل، ويُرد منه ما خالف الدليل، من غير أن يلزم من قبول بعض ما وافق الحق من كلامه تزكية قائله، أو الرضا بمنهجه، أو جعله مصدرًا ومرجعًا لتلقي العلم عنه.

▪︎ ثامنا: الفرق بين الانتفاع ببعض الحق وتزكية قائله

فإذا جاءت للمسلمِ عبارةٌ صحيحةٌ عن شخص مُخالف، أو وصلنا منه معنى شرعيّ صحيح، جاز لنا أن ننتفع بذلك المعنى إذا قام الدليل على صحته، ولا يكون ذلك إقرارًا لمخالفته، ولا ثناءً على منهجه.

لكن ينبغي أن يُفرَّق بين أمرين: بين الانتفاع ببعض المعاني الصحيحة التي وافق فيها هذا المخالفُ الحقَّ، وبين اتخاذ كلام المخالف أصلًا يُرجع إليه أو منهجًا يُتلقى عنه ، ويُنقل في الكتب والمحاضرات .. عنه.

وفي هذا الدعاء بعينه، إذا وافقت بعض معانيه الحق، فلا تُرد تلك المعاني لمجرد صدورها عن قائلٍ مُخالفٍ، وإنما يُنظر في كل معنى منها على حدة بميزان العدل؛ ميزان الكتاب العزيز والسنة المطهرة الصحيحة.

فما وافق الدليل قُبل من جهة موافقته للحق، وما خالفه رُدَّ من جهة مخالفته للدليل.

وقد بيَّنتُ لكَ -أرشدني الله وإياك- ما في دعاء وليد السعيدان -أصلحه الله- من خللٍ ومُخالفةٍ.

ثم إذا وجد المسلم عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم دعاءً ثابتًا يؤدي المعنى الصحيح نفسه، بل هو أجمع وأكمل وأحسن لفظًا وأدبًا، كانت السنة النبوية أولى بالاتباع والرعاية والتقديم.

والله تعالى أعلم.
وصلَّى الله على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا

أخوكم في الله والدَّاعي لكم بالخيرات والمَسرَّات /
أبو إسحاق زُهير بن عيسى المرزوقي الهلالي
-غفر الله له وعلَّمه ورحمه-

الجزائر المحروسة -صانها الله-
ضحى ال ٢٥ / ربيع الآخر / ١٤٤٨ هـ
الموافق ل: ٦ / أكتوبر / ٢٠٢٦ م

Scroll to Top