العَدْلُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي السَّفَرِ وَالرُّكُوبِ

▪︎ السائلة: (أم ف – ع) من ليبيا -وفَّقها الله- تسأل وتقول:

«إذا كان الرجل له زوجتان وأراد أن يسافر معهما، فهل من العدل أن يجعل إحداهما في المقعد الأمامي والأخرى في الخلف، أم تجلسان معًا في الخلف؟»

*■ الــجـــواب:*

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد:

▪︎ فجوابًا على سؤالك أقول وبالله التوفيق:

الأصل أن الواجب على الرجل أن يعدل بين زوجاته فيما أوجب الله فيه العدل، وأما مجرد موضع الجلوس في السيارة فليس من الأمور التي ورد في الشرع تحديدها بأن تكون هذه في الأمام وتلك في الخلف، ولا أن تجلسا معًا في الخلف.

قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.

وقال سبحانه: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾.

فالمقصود بالعدل الواجب هو العدل في الأمور التي يملكها الزوج ويقدر عليها، كالقَسْم في المبيت، والنفقة والسكنى والكسوة، ومن ذلك ما يتعلق بإجلاس زوجاته في سفره مما يقدر فيه على مراعاة العدل بينهن، وإنما الكلام في أنه لا يثبت في موضع الجلوس صورةٌ معينةٌ شرعًا، فلا يقال بوجوب جلوس إحداهن في الأمام والأخرى في الخلف، أو جلوسهما معًا في الخلف، إلا بدليل شرعي.

▪︎ لكن بالنظر إلى قواعد الشرع الحنيف وأدلته الجامعة ينبغي التفصيل في الأمر:

إذا جلست إحدى الزوجتين في المقعد الأمامي، والأخرى في الخلف لحاجة أو لراحة أو لضرورة كمرض ونحوه، أو باتفاقهما، فلا حرج في ذلك، ولا يكون الزوج آثمًا لمجرد اختلاف موضعهما.

وكذلك لو جلستا معًا في المقعد الخلفي، فلا حرج، بل قد يكون ذلك أحيانًا أبعد عن إثارة الغيرة والمنافسة.

أما إذا جعل الزوج إحداهما دائمًا في الأمام، ويجعل الأخرى دائمًا في الخلف، قاصدًا بذلك إظهار تفضيله لها وإكرامها على حساب أختها (زوجته الأخرى)، أو كان هذا الأمر مما يتكرر حتى صار عرفًا ظاهرًا في تفضيل إحداهما، فهذا ينافي كمال العدل، وينبغي له أن يتقي الله ويزيل أسباب الظلم والغيرة.

▪︎ والأولى في مثل هذه الأمور:

أن يتوافقا على ما يحقق المصلحة ويدفع النزاع، ويمكن أن يتناوبا موضع الجلوس، أو يجلسان معًا في الخلف إذا كان ذلك أريح وأبعد عن أسباب الخصومة.

ومن العدل الذي جاءت به السنة في شأن السفر أن يقرع الرجل بين زوجاته إذا أراد السفر بإحداهن، فتخرج القرعة لمن تسافر معه، حتى لا تختص إحداهن بذلك دون الأخرى بغير وجه حق، وحتى تأخذ راحتها مع زوجها، ويأخذ راحته معها، بلا تنغيصٍ عليهما مما تجلبه الغيرة بين الزوجات في العادة.

قالت أمُّنا عائشة رضي الله عنها: « كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه » رواه الإمامان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى في صحيحيهما.

وهذا يدل على مشروعية القرعة بين الزوجات في السفر؛ لأنها أطيب للنفوس، وأبعد عن التهمة والميل، وأحفظ للعدل بينهن، وأريح للزوجين في سفرهما.

وأما إذا سافر بهن جميعًا، فلا يلزم أن يقرع بينهن في موضع الجلوس، لكن له أن يراعي التناوب والتراضي، فتجلس هذه في الأمام والأخرى في الخلف، أو تجلسان معًا في الخلف، بحسب ما تقتضيه الحاجة والراحة، دون أن يجعل ذلك وسيلة إلى تفضيل إحداهما على الأخرى. وإن دعت الحاجة إلى تعيين موضع الجلوس ولم تتفقا، أقرع بينهما على موضع الجلوس؛ دفعًا للنزاع وتحقيقًا للعدل بينهما.

وقد قال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: « من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشِقُّه مائل! » رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه الإمام الألباني رحمه الله تعالى.

● والخلاصة النافعة: لا يجب شرعًا أن تكون إحداهما في الأمام والأخرى في الخلف، ولا يجب أن تجلسا معًا في الخلف. فكل ذلك جائز، والعبرة بعدم الظلم والتفضيل المقصود، والأولى مراعاة راحتهما وتراضيهما، والتناوب عند الحاجة، والله تعالى أعلم.

الشيخ/
أبو إسحاق زُهير بن عيسى المرزوقي الهلالي
-حفظه الله-

الجزائر المحروسة -صانها الله-
عصر ال ٢٥ / ربيع الآخر / ١٤٤٨ هـ
الموافق ل: ٦ / أكتوبر / ٢٠٢٦ م

Scroll to Top