حُكْمُ الْجَمْعِ وَالْقَصْرِ لِمَنْ أَدْرَكَ وَقْتَ الظُّهْرِ فِي السَّفَرِ، ثُمَّ وَصَلَ إِلَى بَلَدِ إِقَامَتِهِ

▪︎ السائلة: أم إسحاق الجزائرية (زوجتي ورفيقة دربي) -وفقها الله وحفظها وسدَّدها- تسأل فتقول:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخي الكريم، ما حكم من أدرك أذان الظهر وهو مسافر، ونوى جمع الظهر مع العصر، ثم وصل إلى بلد إقامته؛ فهل يصليهما جمعًا كما نوى حال سفره، وهل يتمهما كلتيهما أربع ركعات، أم يقصرهما جميعًا باعتبار أنه كان مسافرًا حين نوى الجمع بينهما؟

أفيدوني أفادكم الله.

■ الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

▪︎ فجوابًا على سؤالكِ المهم أقول، وبالله التوفيق:

ينبغي التفريق في هذه المسألة بين القصر والجمع؛ فالقصر متعلق بالسفر، فمن وصل إلى بلد إقامته انتهى سفره، ولزمه إتمام الصلاة الرباعية. أما الجمع، فله أحكام تتعلق بوقت الصلاة وسبب الرخصة، وقد يشرع في الحضر عند وجود عذر معتبر يبيح الجمع، وفق ضوابطه الشرعية.

أولًا: تأصيل المسألة

▪︎ قال الله تعالى:

﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.

وقد ثبت عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، بالمدينة من غير خوف ولا مطر، رواه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في «صحيحه». وقد استدل أهل العلم بهذا الحديث على مشروعية الجمع للحاجة في بعض الأحوال، مع اختلافهم في ضوابطه وشروطه.

وأما القصر، فلا يُشرع لمن انتهى سفره ووصل إلى بلد إقامته؛ بل يصلي الظهر والعصر والعشاء أربع ركعات إذا صلاها في الحضر، ولو كان وقت الصلاة قد دخل عليه وهو مسافر.

ثانيًا: الحالات وأحكامها

▪︎ الحالة الأولى: أن يصل إلى بلده قبل خروج وقت الظهر.

الحكم: يصلي الظهر أربع ركعات في وقتها، ولا يؤخرها إلى العصر اعتمادًا على رخصة جمع التأخير في السفر؛ لأن سبب الجمع قد زال قبل خروج وقت الصلاة الأولى. ثم يصلي العصر أربعًا في وقتها، ما لم يوجد عذر آخر معتبر يبيح الجمع.

▪︎ قال شيخنا العلامة ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- في «لقاء الباب المفتوح»:

“إذا سافر الإنسان بعد دخول الوقت وصلى في مسيره فإنه يقصر الصلاة، كما أنه لو دخل عليه الوقت وهو في السفر ثم وصل بلده فإنه يتم الصلاة، لأن العبرة بارك الله فيك العبرة بفعل الصلاة لا بوقتها، فمتى فعل الصلاة في السفر قصرها، ومتى فعلها في الحضر أتمها”.

وهذا واضح فيمن وصل إلى بلده قبل خروج وقت الظهر؛ أما إذا وصل بعد خروج وقتها ودخول وقت العصر، فهذه صورة أخرى تحتاج إلى تحرير مستقل.

▪︎ الحالة الثانية: أن يصل إلى بلده بعد خروج وقت الظهر ودخول وقت العصر، وكان قد أخّر الظهر في السفر بنية جمع التأخير.

الحكم: هذه الصورة محل خلاف بين أهل العلم -رحمهم الله تعالى-، وينبغي التفريق فيها بين وجوب أداء الصلاتين، وحكم الجمع بينهما بعد الوصول.

فلا بد من أداء الظهر التي بقيت في ذمته، وأداء العصر في وقتها، ولا يجوز له إهمال الظهر أو تأخيرها بلا مسوّغ. وإنما محل البحث: هل يصح له أن يصلي الظهر والعصر جمع تأخير في هذه الحال، مع أنه وصل إلى بلده وزال عنه وصف السفر قبل أدائهما؟

وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز ذلك؛ لأن عذر السفر كان قائمًا إلى دخول وقت العصر، وهو الوقت الذي يصح فيه جمع التأخير، فإذا استمر العذر إلى دخول الوقت الثاني جاز الجمع، وإن زال العذر بعد دخوله.

▪︎ قال ابن قدامة -رحمه الله تعالى- في «المغني» في بيان ضابط جمع التأخير:

“فإن زال في وقت الأولى كالمريض يبرأ والمسافر يقدم والمطر ينقطع لم يبح الجمع لزوال سببه، وإن استمر إلى حين دخول وقت الثانية جمع وإن زال العذر”.

وهذا أصل مهم في تحرير المسألة؛ فبحسب هذا القول، إذا استمر سفره إلى دخول وقت العصر، ثم وصل إلى بلده بعد دخول وقت العصر، جاز له أن يصلي الظهر والعصر جمع تأخير، مع إتمام كل منهما أربع ركعات. ولا يشترط في جمع التأخير عند كثير من أهل العلم أن تكون الصلاتان متواليتين بلا فاصل طويل، وإن كان تقديم الأولى ثم الثانية متتابعتين أحوط وأبرأ للذمة.

وفي المقابل، يُشدِّد آخرون في انتهاء رخصة الجمع بزوال عذر السفر، فلا يجيزون له إعمال رخصة الجمع بعد وصوله إلى بلده. ومن هنا ينبغي عرض المسألة بوصفها خلافًا فقهيًّا، لا إجماعًا.

▪︎ وجاء في «فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء»، المجموعة الثانية (٦/٤٢٧–٤٢٨)، في حكم القصر عند وصول المسافر إلى بلده:

“المسافر إذا دخل عليه وقت الصلاة التي تجمع إلى ما بعدها كالظهر مع العصر والمغرب مع العشاء وهو يسير في الطريق فله أن يؤخر الصلاة الأولى لجمعها إلى ما بعدها، لكن إذا وصل إلى بلده قبل أن يصلي الصلاة قصرًا فإنه يجب عليه الإتمام ولا يجوز له القصر، لأنه صار مقيمًا”.

ووقَّع الفتوى مشايخي أصحاب الفضيلة العلماء: صالح بن فوزان الفوزان، وعبد الله بن غديان، وعبد العزيز آل الشيخ، برئاسة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحم الله الأموات وحفظ الأحياء-.

وهذا جواب صريح منهم في وجوب الإتمام عند الوصول إلى بلد الإقامة قبل أداء الصلاة، لكنه يتناول حكم القصر، ولا يحسم وحده حكم الجمع بعد الوصول؛ فلا بد من التفريق بين المسألتين.

والذي يظهر لي رجحانه في هذه الصورة هو جواز جمع التأخير إذا كان قد أخّر الظهر بنية الجمع في السفر، واستمر عذر السفر إلى دخول وقت العصر، ثم وصل إلى بلده بعد دخول وقت العصر؛ وذلك بناءً على الضابط الذي ذكره ابن قدامة -رحمه الله تعالى-، مع إتمام الصلاتين أربعًا أربعًا. وهذا ترجيح في مسألة اجتهادية، لا دعوى اتفاق بين أهل العلم.

▪︎ الحالة الثالثة: أن يجمع الظهر والعصر جمع تقديم في السفر، ثم يصل إلى بلده قبل دخول وقت العصر.

الحكم: إذا جمعهما في السفر جمع تقديم جمعًا صحيحًا، فصلاته صحيحة ولا يعيد العصر بعد وصوله إلى بلده؛ لأن ذمته قد برئت بأدائها على الوجه المشروع الذي أمره الله تعالى به.

▪︎ وقد أفتى شيخنا العلامة ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- في هذه الصورة بأنه لا تلزمه إعادة صلاة العصر؛ لأنه قد أداها جمعًا في السفر على وجه مشروع. ولما سُئل: “لكن لو جمع ثم وصل البلد هل يصلي العصر مرة أخرى؟” أجاب: “لا. قد أدى الفريضة وانتهى”.

▪︎ المرجع: «لقاء الباب المفتوح» (١٤)، الموقع الرسمي للشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-.

▪︎ الحالة الرابعة: أن يصل إلى بلده وتوجد به حاجة معتبرة تقتضي الجمع.

الحكم: قد يجوز الجمع في الحضر عند وجود عذر معتبر يترتب على تركه حرج ومشقة، وفق ضوابط الجمع الشرعية، وليس لمجرد التيسير المطلق أو من غير حاجة. وفي جميع الأحوال، من انتهى سفره لزمه إتمام الصلاة الرباعية أربع ركعات.

والخلاصة: أن القصر ينتهي بوصول المسافر إلى بلد إقامته، وأما الجمع فينظر فيه إلى وقت وصوله، ووقت الصلاة، وسبب الرخصة. فمن وصل قبل خروج وقت الصلاة الأولى صلاها في وقتها، ومن وصل بعد دخول وقت الثانية وقد استمر عذر السفر إلى دخولها، فله جمع التأخير على القول الراجح هنا، مع إتمام الصلاتين أربعًا أربعًا.

والله تعالى أعلم.
وصلَّى الله على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.

زوجك ورفيق دربك والدَّاعي لك بالخيرات والمَسرَّات /

أبو إسحاق زُهير بن عيسى المرزوقي الهلالي
-غفر الله لنا وعلَّمنا ورحمنا-

الجزائر المحروسة -صانها الله وسائر بلاد المسلمين-

ضحى الثلاثاء الـ ٢ / جمادى الأولى / ١٤٤٨ هـ
الموافق لـ ١٣ / أكتوبر / ٢٠٢٦ م

Scroll to Top