▪︎ السائل: إبراهيم أبو أحمد من بلاد الشام (سورية) -وفقه الله- يسأل فيقول:
رجل وضع عند رجل آخر أمانة، وهي مبلغ من المال، ثم سُرق بيت الرجل الذي أودعت عنده الأمانة؛ فما الذي يلزمه؟ وهل تبقى الأمانة في ذمته؟
■ الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
▪︎ فجوابا على سؤالك أقول وبالله التوفيق:
هذه المسألة من مسائل الوديعة، وأصلها أن يد المودَع عنده يد أمانة، لا يد ضمان؛ فلا يضمن المال إذا تلف بغير تعدٍّ منه ولا تفريط، وإنما يضمنه إذا تعدّى أو فرّط في حفظه، وهذا هو قول جماهير أهل العلم -رحمهم الله تعالى-.
▪︎ وقد أمر الله تعالى بأداء الأمانات إلى أهلها، فقال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا ﴾ [النساء: ٥٨].
▪︎ وثبت عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ». رواه أبو داود والترمذي -رحمهما الله تعالى-، وصححه الإمام الألباني -رحمه الله تعالى-.
والحديث يدل على وجوب حفظ الأمانة وأدائها إلى صاحبها، ولا يلزم من ذلك ضمانها إذا تلفت من غير تعدٍّ ولا تفريط؛ إذ إن الأمين لا يضمن إلا إذا وقع منه ما يوجب الضمان.
▪︎ وقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- عن وديعة تلفت بغير تفريط ولا عدوان، فأجاب:
«إِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ وَلَا عُدْوَانٍ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانٌ، وَإِذَا ذَهَبَتْ مَعَ مَالِهِ كَانَ أَبْلَغَ».
«مجموع الفتاوى» (٣٠/٣٩٨).
وهذا جواب وجيه في عين مسألتك؛ إذ بيّن -رحمه الله تعالى- أن تلف الوديعة من غير تفريط ولا عدوان لا يوجب الضمان، وأن ذهابها مع مال المودَع عنده أبلغ في الدلالة على انتفاء التفريط، متى ثبتت حقيقة الواقعة.
▪︎ وقال ابن قدامة -رحمه الله تعالى- في «المغني»:
«وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَدِيعَةَ أَمَانَةٌ، فَإِذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنَ الْمُودَعِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ».
«المغني» (٦/٤٣٦٩ – والمسألة في كتاب الوديعة).
وبيّن ابنُ قدامة -رحمه الله تعالى- أن هذا قولُ أكثرِ أهل العلم، وأنَّ المودَعَ عنده إذا تعدّى في الوديعة أو فرّط في حفظها، ثم تلفت، ضَمِنَها؛ لأنَّ الضمان حينئذٍ مترتّبٌ على تعدّيه أو تفريطه، لا على مجرّد تلف المال.
والفرق الجامع بين التفريط والتعدّي أن التفريط تركٌ لما ينبغي فعله في حفظ الوديعة، والتعدّي فعلٌ لما لا يجوز فعله فيها، وقد يجتمعان في بعض الصور.
فلو سُرق المال من بيت المودَع عنده، وكان قد حفظه على الوجه المعتاد، وأغلق الأبواب واتخذ أسباب الحفظ المناسبة، ثم وقعت السرقة رغم ذلك، فلا ضمان عليه لمجرد وقوع السرقة؛ أما إن ثبت أنه قصّر في حفظ المال، أو تصرّف فيه تصرّفًا غير مأذون به ترتّب عليه ضياعه، فإنه يضمنه.
وهذا موافق للقاعدة الفقهية المقررة: أن الأمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط؛ فمتى انتفى الأمران، وكان التلف بغير تسبب منه، بقي الأصل، وهو براءة ذمته من الضمان، ولا يجوز إلزامه بالتعويض إلا بدليل يثبت موجب الضمان.
▪︎ وعليه ؛ فإن ثبت أن البيت قد سُرق، وأن المال المودَع قد ذهب في السرقة، وأن المودَع عنده حفظه الحفظ المعتاد، ولم يقع منه تعدٍّ ولا تفريط، فلا يلزمه ضمان المال، ولا يبقى في ذمته دين لصاحبه بسبب هذه السرقة وحدها.
▪︎ ولا يكفي مجرد ادعاء السرقة لإسقاط الضمان عند النزاع؛ بل يُنظر في البينة والقرائن، وكيفية حفظ المال، والظروف المحيطة بالحادثة؛ لأن الحكم يتبع سببه وجودًا وعدمًا، ولأن الأصل براءة الذمة حتى يثبت ما يشغلها. وإذا تنازع الطرفان في حقيقة الواقعة أو في حصول التفريط، فالفصل في ذلك للقضاء المختص بعد التحقق من الوقائع.
والله تعالى أعلم.
وصلَّى الله على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
أخوكم في الله والدَّاعي لكم بالخيرات والمَسرَّات /
أبو إسحاق زُهير بن عيسى المرزوقي الهلالي
-غفر الله له وعلَّمه ورحمه-
الجزائر المحروسة -صانها الله-
ضحى الأربعاء الـ ٣ / جمادى الأولى / ١٤٤٨ هـ
الموافق ل: ١٤ / أكتوبر / ٢٠٢٦ م