حُكْمُ تَصَدُّقِ الْمَرْأَةِ مِنْ مَالِهَا الْخَاصِّ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا

▪︎ السائل: محمد -وفقه الله- من ليبيا يسأل فيقول:

«ما حكم من تريد أن تتصدق بمالها لحفر بئر صدقةً عن أبيها، من غير علم زوجها؟ وهل يجب عليها استئذان زوجها؟ وهل في ذلك خلاف بين العلماء؟»

*■ الــجــواب:*

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد:

▪︎ فجوابا على سؤالك أقول وبالله التوفيق:

هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، ومحل الخلاف فيما إذا كان المال مال المرأة الخاص بها ملكًا تامًّا، وكانت رشيدة، وليس مال زوجها ولا مال البيت الذي اؤتمنت عليه.

▪︎ فمن أهل العلم من منع المرأة من التصدق من مالها إلا بإذن زوجها، واستدلوا بحديث:

«لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها»

رواه الإمام أبو داود في «سننه» والنسائي في «سننه» والإمام أحمد في «مسنده»، وصححه الإمام الألباني رحمه الله تعالى، وقد خالفه الإمام الشافعي رحمه الله في ذلك، فقال: «سمعناه وليس بثابت».

وقد نقل الإمام البيهقي رحمه الله هذا القول عن الإمام الشافعي، ثم قال: «الطريق في هذا الحديث إلى عمرو بن شعيب صحيح، ومن أثبت أحاديث عمرو بن شعيب لزمه إثبات هذا، إلا أن الأحاديث التي مضت في الباب قبله أصح إسنادًا»، ثم ذكر أن في تلك الأحاديث والآيات التي احتج بها الشافعي دلالة على نفوذ تصرف المرأة في مالها دون الزوج، فقال: «فيكون حديث عمرو بن شعيب محمولًا على الأدب والاختيار».

▪︎ وذهب جمهور أهل العلم إلى أن المرأة الرشيدة تملك مالها، ولها أن تتصرف فيه بالمعروف، وأن تتصدق منه بغير إذن زوجها، واستدلوا بقول الله تعالى:
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾

فهذا يدل على ثبوت ملك المرأة لما كسبته، واستقلال ذمتها المالية في الأصل، وأن مالها ليس تابعًا لملك زوجها بمجرد عقد النكاح.

ومن أقوى أدلتهم حديث ميمونة رضي الله عنها؛ فإنها أعتقت وليدةً لها، ولم تستأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما أخبرته قال لها:

«أَوَفَعَلْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ»

رواه الإمام البخاري والإمام مسلم رحمهما الله تعالى في «صحيحيهما».

ومنه كذلك حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها:

«أَنْفِقِي وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ»

رواه الإمام البخاري والإمام مسلم رحمهما الله تعالى في «صحيحيهما».

▪︎ ومن أدلتهم أيضًا حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة صلاة العيد، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب النساء، ثم أمرهن بالصدقة، قال ابن عباس رضي الله عنهما:

«فجعلتِ النساءُ يَتَصَدَّقْنَ، يُلقينَ في ثوبِ بلالٍ من أقرطتهنَّ وخواتمهنَّ»

رواه الإمام البخاري والإمام مسلم رحمهما الله تعالى في «صحيحيهما».

ووجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر النساء بالصدقة، فبادرن إلى التصدق بحليِّهن، ولم يأمرهن باستئذان أزواجهن قبل الصدقة، ولا نُقل أن واحدةً منهن استأذنت زوجها قبل أن تتصدق؛ فدل ذلك -من جهة الأصل- على جواز تصدق المرأة من مالها الخاص، وأن إذن الزوج ليس شرطًا في صحة صدقتها.

▪︎ وفي مناقشة دليل القول الأول: على تقدير صحة الحديث، فلا يلزم أن يكون معارضًا للأحاديث الدالة على استقلال المرأة بمالها؛ بل يمكن حمله على الأدب والاستئذان، أو على المال الذي للزوج فيه حق، لا على منع المرأة من مطلق التصرف في مالها الخاص. قال ابن قدامة رحمه الله في مناقشة هذا الحديث: «وعلى أنه محمول على أنه لا يجوز عطيتها لماله بغير إذنه».

▪︎ والراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور: أن المرأة البالغة الرشيدة يجوز لها أن تتصدق من مالها الخاص بغير إذن زوجها؛ لأن ذمتها المالية مستقلة، ولم يجعل الشرع مالها ملكًا لزوجها بمجرد عقد النكاح. وعلى القول بصحة حديث المنع، فالجمع بينه وبين هذه الأحاديث أن يحمل على مال الزوج أو المال الذي ائتمنها عليه، أو على ما يترتب عليه إضرار بحقوق الزوج الواجبة، أما مالها الخاص الذي تملكه ملكًا تامًّا، فلها أن تتصدق منه بالمعروف.

لكن استئذانه وإخباره من كمال العشرة وحسن المودة، ولا سيما إذا كان المبلغ كبيرًا.

وقد تستأذن المرأة زوجها، فيشير عليها بأمر هو أفضل لها في دينها ودنياها وآخرتها، مما كانت ستنفق مالها الخاص فيه، كما أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أمنا ميمونة رضي الله عنها، فدل ذلك على أن استئذان الزوج وإخباره قد يكون فيه مصلحة للمرأة نفسها، وإن لم يكن إذنه شرطًا

في صحة تصرفها في مالها الخاص.

أما إذا كان المال مال الزوج أو المال الذي وكّلها بالإنفاق منه، فلا يجوز لها أن تتصدق منه إلا بإذنه، إلا الشيء اليسير الذي جرت العادة والعُرف بتسامحه فيه، أو علمت رضا الزوج به وإذنه فيه.

● الخلاصة:

إذا كانت المرأة تريد حفر بئر صدقةً عن أبيها من مالها الخاص الذي تملكه ملكًا تامًّا، فالراجح أنه يجوز لها ذلك ولا يجب عليها استئذان زوجها، وإن كان استئذانه وإخباره من كمال العشرة وحسن المودة. وعلى تقدير صحة حديث «لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها»، فإنه محمول على مال الزوج أو على ما يترتب عليه إضرار بحقوقه الواجبة، وبذلك تجتمع الأدلة ولا تتعارض.

نسأل الله تعالى أن يتقبل منها صدقتها، وأن يجعلها برًّا بأبيها، وسببًا لرفع درجته، ونفعه بها.

والله تعالى أعلم.

َالشيخ/
أبو إسحاق زُهير بن عيسى المرزوقي الهلالي
-حفظه الله-

الجزائر المحروسة -صانها الله-
ضحى ال ٢٦ / ربيع الآخر / ١٤٤٨ هـ
الموافق ل: 7 / أكتوبر / 2026 م

 

Scroll to Top