▪︎ السائلة : أم عبد الرحمن من المغرب -وفقها الله- تسأل وتقول:
«السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخنا أحسن الله إليكم.
عندنا عادة في مدينة الرباط بين الأخوات السلفيات؛ إذا توفي لأخت قريب لها – كأبيها أو أمها أو أخيها – فإنهن يجتمعن عندها في اليوم الخامس من الوفاة أو بعد أسبوع، وكل واحدة منهن تحضر طبقًا – ككيكة أو غير ذلك – ويقلن إنهن يفعلن ذلك لمواساتها.
فهل هذا الفعل جائز؟ وهل يدخل في النياحة أو في الاجتماع المنهي عنه عند أهل الميت؟
وجزاكم الله خيرًا.»
■ الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد:
▪︎ فجوابا على سؤالك أقول وبالله التوفيق:
▪︎ أولا: الأصل في التعزية والمواساة
التعزية والمواساة مشروعة، وهي من البر والإحسان، ويجوز للمرأة أن تذهب إلى قريبتها أو أختها لتعزيها وتدعو لها وللميت، من غير اعتقاد هيئة مخصوصة ولا يوم مخصوص.
والتعزية ليست محصورة في ثلاثة أيام، بل تجوز من حين وقوع المصيبة وبعدها بحسب الحاجة، لكن تخصيص يوم معين، كاليوم الخامس أو السابع، وجعل ذلك عادة متكررة للاجتماع للعزاء، ليس عليه دليل من السنة ؛ بل هو من محدثات الأمور.
فالمعتبر هو حصول التعزية والمواساة، لا الاجتماع في وقت معين واتخاذه عادة عند كل وفاة.
▪︎ ثانيا: حكم الاجتماع الموصوف في السؤال
أما الصورة المذكورة في السؤال: أن الأخوات يتواعدن على الاجتماع عند أهل الميت في اليوم الخامس أو بعد أسبوع، ويتكرر ذلك عند كل وفاة، وتحضر كل واحدة منهن طبقًا من الطعام للمناسبة؛ فهذه الهيئة من البدع المحدثة في الدين التي يجب تركها والتوبة إلى الله منها؛ لأنها تخصيصٌ لا أصل له في الشرع، وقد جُعل الاجتماع فيها مرتبطًا بالوفاة، ومقيدًا بوقت معين، ومتكررًا على وجه العادة.
ولم يكن هذا من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا أصحابه الكرام رضوان الله عليهم، ولو كان هذا الاجتماع بهذه الهيئة مشروعًا لسبقوا إليه، إذ كانت تقع في عهدهم وفيات ومصائب كثيرة، ولم يُنقل عنهم أنهم خصصوا اليوم الخامس أو السابع، أو ما بعد أسبوع، باجتماع للعزاء وإحضار الطعام على هذه الصفة.
والفرق ظاهر بين التعزية المشروعة، وهي مواساة المصاب من غير تخصيص وقت ولا هيئة، وبين إحداث هيئة مخصوصة وجعلها عادة متكررة عند كل وفاة ؛
فالأول مشروع لدلالة الأدلة الصحيحة عليه.
وأما الثاني فمن البدع المحدثة في الدين التي يجب على من فعلها أن يتركها ويتوب إلى الله تعالى منها.
ولهذا فلا يُقال: إن حسن القصد يجعل هذه الهيئة مشروعة؛ فإن دين الله مبني على أصلين عظيمين: الإخلاص لله تعالى، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا بد في العبادة من إخلاص القصد لله تعالى، ومن موافقة السنة في القول والعمل.
فحسن النية وحده لا يصحح العمل إذا كان على هيئة لم يشرعها الله تعالى، كما أن العمل إذا خلا من الإخلاص لم يكن مقبولًا؛ قال الله تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾.
▪︎ ثالثا: إحضار الطعام لأهل الميت
ينبغي التفريق بين أمرين:
● الأول: أن يذهب الإنسان إلى أهل الميت بطعام، أو يرسل إليهم طعامًا، تخفيفًا عنهم وإعانة لهم؛ فهذا مشروع، وقد جاءت به السنة الثابتة.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما جاء نعي جعفر رضي الله عنه:
“اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم أمر شغلهم” رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد، وصححه الإمام الألباني رحمهم الله تعالى.
فالسنة أن يُصنع الطعام لأهل الميت؛ لأن المصيبة تشغلهم، وليس أن يُكلَّف أهل الميت بصناعة الطعام للناس! كما يفعله كثير من المسلمين اليوم! للأسف الشديد!
● الثاني: أن تتفق الأخوات على اليوم الخامس أو السابع، ثم يجتمعن جميعًا عند أهل الميت، وتحضر كل واحدة طبقًا، ويُجعل ذلك عادة عند كل وفاة.
فهذه الصورة ليست هي السنة المذكورة في الحديث، بل هي هيئة محدثة ينبغي تركها، وإن كانت النية حسنة والمقصود منها المواساة.
▪︎ رابعا: هل هذا من النياحة؟
لا يصح أن يقال إن مجرد إحضار الطعام لأهل المصاب نياحة؛ فالطعام لأهل الميت من وجوه المواساة المشروعة إذا لم يقترن بمحظور.
لكن الاجتماع المعتاد إلى أهل الميت بسبب الوفاة، واتخاذه هيئة مخصوصة متكررة، هو الذي جاء عن بعض الصحابة رضي الله عنهم إنكاره.
قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه:
“كنَّا نعدُّ الاجتماعَ إلى أهلِ الميِّتِ وصَنْعةَ الطَّعامِ بعدَ دفنِه منَ النِّياحةِ” رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الإمام الألباني رحمه الله تعالى.
فالمراد ليس أن كل زيارة لأهل الميت نياحة، ولا أن كل طعام يقدم إليهم نياحة؛ وإنما المقصود الاجتماع الذي يُتخذ عادة بسبب المصيبة، مع إعداد الطعام في هذا الاجتماع.
ولهذا ينبغي التفريق بين التعزية العارضة المشروعة، وبين الاجتماع المعتاد المخصوص بالوفاة.
▪︎ خامسا: ما المشروع بدل ذلك؟
المشروع أن تعزّي أختك من غير موعد جماعي مخصوص، فتذهبين إليها عندما يتيسر لك، أو تتصلين بها، وتدعين لها وللميت، وتذكرينها بالصبر والاحتساب.
وإذا أردتِ نفعها بالطعام، فأرسلي إليها طعامًا لأهل بيتها تخفيفًا عنها، من غير أن تجعليه شعارًا لاجتماع العزاء.
وبذلك تتحقق المواساة، ويجتمع للأخوات أمران عظيمان: الإخلاص في المواساة، واتباع السنة في كيفية أدائها.
● الخلاصة:
الراجح أن الاجتماع المذكور في السؤال بهذه الهيئة المعتادة، مع تخصيص اليوم الخامس أو ما بعد الأسبوع، من البدع المحدثة في الدين التي يجب تركها والتوبة إلى الله تعالى منها، ولا سيما إذا صارت سنة اجتماعية متكررة عند كل وفاة.
أما زيارة المصابة لتعزيتها في أي وقت، أو الاتصال بها، أو إرسال الطعام إليها تخفيفًا عنها، فكل ذلك من وجوه المواساة المشروعة.
ولا نصف كل واحدة حضرت أو أحضرت طبقًا بأنها نائحة؛ فالنية قد تكون المواساة، ولكن لجهلهنَّ بالحكم لا يُحكم عليهن بذلك.
وإنما الكلام في الهيئة المخصوصة المتكررة المرتبطة بالوفاة، وما يصاحبها من اجتماع وطعام على وجه العادة، فهذا هو الممنوع شرعًا.
والله تعالى أعلم.
أخوكم في الله
أبو إسحاق زُهير بن عيسى المرزوقي الهلالي
-غفر الله له ورحمه-
٢٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ / ٦ أكتوبر ٢٠٢٦م
.