تَخْرِيجُ حَدِيثِ «نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللَّهِ، وَنَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ»، وَبَيَانُ مَعْنَاهُ، وَأَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي فِقْهِهِ

▪︎ السائل: أخونا محمد أبو عمر السوري -وفقه الله- يسأل فيقول:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخنا الحبيب أبا إسحاق، بارك الله فيكم ونفع بكم.

أحسن الله إليكم، ففي متن كتاب «الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد»، عند ذكر حديث: «نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك»، وجدتُ أن الإمام الألباني رحمه الله قد ضعَّف الحديث.

كما وقفتُ على كلام للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، في تعليقه على كتاب التوحيد، في باب «لا يُستشفع بالله على خلقه»، يبيّن فيه أن الاستشفاع بالخلق على الله جائز بشروطه الشرعية، وأن الاستشفاع بالله على الخلق محرَّم.

فما صحة هذا الحديث؟ وما معناه؟ وكيف يُجمع بين تضعيفه وبين ما قرره الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في بيان المسألة؟

بارك الله فيكم، ونفع بعلمكم.

■ الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

▪︎ فجوابا على سؤالك أقول وبالله التوفيق:

▪︎ أولا: تخريج الحديث ولفظه

روى أبو داود في «سننه» حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه، وفيه أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال:

«يا رسول الله، جهدت الأنفس، وضاعت العيال، ونُهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك».

وذكر أبو داود الحديث في «سننه» (٤٧٢٦)، ورواه أيضا أبو عوانة في «مسنده» (٢٥٧٠)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٤٠٧٨)، والآجري (٦٦٧)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٢/١٢٨، رقم ١٥٤٧)، والبزار، بألفاظ وطرق يُنظر فيها عند دراسة الحديث.

ومحل البحث في هذا الحديث هو ثبوت هذه القصة بهذا الإسناد أو بغيره، ثم دلالة العبارة التي قالها الأعرابي، وما يُستفاد منها في باب تعظيم الله تعالى وتوحيده.

▪︎ ثانيا: أقوال أهل العلم في الحكم على الحديث

اختلف أهل العلم في الحكم على هذا الحديث، فمنهم من حسَّنه، ومنهم من ضعَّفه، ولا بد من عرض أقوالهم مع مراعاة اختلافهم في نقد الإسناد والحكم عليه.

١- الإمام أبو داود رحمه الله تعالى

ذكر أبو داود رحمه الله تعالى أن طريقا معينة هي الطريق الصحيحة المحفوظة في أصل الحديث، ووافقه على ذلك يحيى بن معين وعلي بن المديني. غير أن ترجيح طريق معينة على غيرها، وبيان أنها الثابتة المحفوظة في أصل الحديث، لا يعني بالضرورة الحكم على إسنادها أو على الحديث بالصحة؛ إذ لا بد من التفريق بين ترجيح الطريق من جهة الحفظ، والحكم على الإسناد أو الحديث بالصحة وفق قواعد النقد الحديثي. فينبغي لطالب الحديث أن يتنبه لهذا الفرق الجوهري المهم عند أئمة التخريج.

٢- الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى

حسَّن ابن القيم إسناد الحديث، كما ذكر ذلك في «مختصر الصواعق المرسلة» (ص ٤٣٤).

٣- الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى

حسَّن ابن حجر الحديث، كما نُقل عنه في «هداية الرواة» (٥/٢٤٩)، وذكر أنه حسن كما قال في المقدمة.

٤- الإمام الألباني رحمه الله تعالى

ضعَّف الإمام الألباني رحمه الله تعالى الحديث في مواضع، ومنها «ضعيف الجامع» (رقم ٦١٣٧)، و«هداية الرواة» (رقم ٥٦٦٠). وينبغي عند نقل حكمه مراعاة الطريق الذي حكم عليه، وعدم الخلط بين الأسانيد المختلفة الواردة في الباب.

٥- الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى

نُقل عن الشيخ ابن باز رحمه الله أن معنى تعظيم الله تعالى الوارد في الحديث صحيح في نفسه، مع كلامه على ضعف الإسناد. والمقصود هنا التفريق بين ثبوت الحديث مرفوعا وبين صحة المعنى الذي دل عليه من جهة الأدلة الشرعية الأخرى.

٦- الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى

ذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أن إسناد الحديث ضعيف، مع صحة معناه، فقال: «وهذا الحديث فيه ضعف، ولكن معناه صحيح».

وهذا التفريق مهم؛ إذ ليس كل حديث ضعيف يكون معناه باطلا، فقد يكون المعنى الذي اشتمل عليه صحيحا ثابتا بأدلة أخرى، مع بقاء الحكم على الحديث نفسه من جهة الإسناد على ما يقتضيه النقد الحديثي.

▪︎ ثالثا: النظر في إسناد الحديث ورجاله

مدار الإسناد الذي يُبحث هنا على محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده جبير بن مطعم رضي الله عنه.

وفي هذا الإسناد مواضع تستدعي النظر عند أهل الحديث؛ فمنها حال جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، وقد قال فيه الحافظ ابن حجر: «مقبول»، ومنها محمد بن إسحاق، وهو معروف بالتدليس، فيُبحث في صيغة روايته وما يتصل بها من قرائن وطرق.

ولا يصح أن يُكتفى بمجرد وجود راوٍ في الإسناد للحكم بصحة الحديث أو ضعفه، بل لا بد من جمع طرقه، والنظر في أحوال رجاله، واتصال السند، وانتفاء العلل القادحة، ومراعاة كلام أئمة النقد في الرواية المعينة.

ومن هنا يُفهم اختلاف أحكام أهل العلم على الحديث؛ فقد ينظر أحدهم إلى طريق أو قرينة لم يثبت عند الآخر اعتبارها، وقد يختلفون في قبول راوٍ أو في أثر تدليسه، أو في تقوية الطريق بالشواهد والمتابعات.

▪︎ رابعا: ما نُقل عن الإمام الألباني رحمه الله في بعض طرق الحديث

نُقل عن الإمام الألباني رحمه الله في بعض أشرطته، في «الهدى والنور» (الشريط ١٥٩، نحو الدقيقة ٣٠:٣٠)، كلام في طريق من طرق الحديث، وفيه قوله: «صحيح، ليس فيه ابن لهيعة، لكن فيه جهالة».

ولا بد في نقل هذا الكلام من مراعاة سياقه والطريق الذي كان الشيخ يتحدث عنه؛ إذ لا يجوز جعل حكمه على طريق بعينه حكما مطلقا على جميع الطرق من غير تحرير. كما لا يصح أن يُجعل هذا النقل وحده دليلا على تصحيح الحديث أو تضعيفه حتى يُعرف الإسناد المقصود وكلام الشيخ فيه على وجهه.

وهذه المسألة من أبواب العلم التي تحتاج إلى جمع الروايات وتحرير محل النزاع، لا إلى الاكتفاء بعبارة مقتطعة من سياقها.

▪︎ خامسا: مكانة الإمام الألباني رحمه الله والإنصاف في الخلاف

الإمام الألباني رحمه الله من أئمة الحديث الذين خدموا السنة النبوية خدمة عظيمة، واعتنى بتخريج الأحاديث وتمييز صحيحها من ضعيفها، وله اجتهادات معروفة في هذا الباب، يوافقه فيها أهل العلم أحيانا، ويخالفونه أحيانا أخرى، شأنه في ذلك شأن سائر أهل العلم والاجتهاد.

والواجب أن يُحفظ لأهل العلم قدرهم، وأن يُردَّ ما ظهر خطؤه بالدليل، من غير غلو في الأشخاص ولا جفاء لهم، ومن غير أن يكون تعظيم العالم مانعا من مناقشة قوله وفق أصول العلم وقواعده.

فكما لا يجوز رد الحديث الصحيح لمجرد مخالفته رأي شخص، لا يجوز كذلك تصحيح الحديث أو تضعيفه بغير أدلة واضحة كافية؛ وإنما المدار على الدليل وقواعد أهل الحديث النقاد الجهابذة رحمهم الله تعالى.

وعليه، فليس من الإنصاف أن يُجعل تضعيف الإمام الألباني رحمه الله لهذا الحديث وحده سببا لرد المعنى الصحيح الذي تشهد له أدلة أخرى، كما لا يصح أن يُترك النظر في الإسناد لمجرد أن بعض أهل العلم حسَّن الحديث. بل يُبحث الحديث وفق قواعد المحدثين، ويُفصل بين الحكم على ثبوته وبين الحكم على معناه.

▪︎ سادسا: معنى قول الأعرابي «نستشفع بك على الله»

الاستشفاع في أصل معناه هو طلب الشفاعة، أي أن يضم الإنسان طلب غيره إلى طلبه، رجاء أن يكون ذلك سببا في حصول المقصود.

وقول الأعرابي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: «نستشفع بك على الله» معناه: نطلب منك أن تدعو الله لنا أن يسقينا الغيث، لما نزل بهم من الجدب وشدة الحاجة.

وهذا من طلب الدعاء من الحي الحاضر القادر عليه، وهو جائز في أصله، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يطلبون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء في حياته، كما طلبوا منه الاستسقاء.

ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة الرجل الذي دخل المسجد يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب، فطلب منه أن يدعو الله أن يغيثهم، فرفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يديه ودعا الله تعالى.

فهذا طلب من المخلوق الحي أن يدعو الله، وليس فيه جعل المخلوق شريكا لله تعالى، ولا صرف عبادة لغير الله، بل هو من باب التعاون المشروع وطلب الدعاء ممن يُرجى صلاحه.

▪︎ سابعا: معنى قول الأعرابي «ونستشفع بالله عليك»

هذه هي العبارة التي وقع الإنكار عليها في الحديث، ومعناها أن يجعل المتكلم الله تعالى شفيعا عند أحد من خلقه، فيطلب من المخلوق أن يقبل شفاعة الله عنده.

وبيَّن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أن هذا المعنى لا يجوز؛ لما فيه من عدم تعظيم مقام الرب سبحانه وتعالى، وجعل الله تعالى بمنزلة من يُستشفع به عند أحد من خلقه ! ، مع أن الله سبحانه هو العظيم الذي يخضع له كل شيء، ولا يُجعل سبحانه تابعا لمخلوق أو مستشفعا به إليه. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وهذا هو المعنى الذي أنكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث، على القول بثبوته، كما ذهب إليه من حسَّنه من أئمة الحديث.

ولا ينبغي الخلط بين هذه الصورة وبين مجرد قول الإنسان لآخر: «أسألك بالله أن تفعل كذا»، فإن هذه عبارة أخرى لها أحكامها وضوابطها، ولا يلزم من الكلام على صورة الاستشفاع بالله على الخلق أن تُنزَّل أحكامها على كل استعمال للفظ الجلالة في الطلب.

والمقصود أن الله تعالى له الكمال المطلق والعظمة التي تليق بجلاله، فلا يُجعل سبحانه في مقام من يُطلب منه أن يتوسط عند مخلوق، أو أن يستشفع عنده لأجل قضاء حاجة.

▪︎ ثامنا: الأدلة الشرعية على تعظيم الله تعالى وتنزيهه عن كل ما لا يليق بجلاله

الأصل الذي دل عليه هذا المعنى ثابت بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وإن وقع الخلاف في ثبوت الحديث الخاص.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾

فهذه الآية تدل على عظمة الله تعالى وجلاله، وأنه سبحانه فوق خلقه، العظيم الذي لا يُقدَّر حق قدره إلا بتعظيمه وتوحيده وتنزيهه عما لا يليق به.

وتعظيم الله تعالى يكون بإفراده بالعبادة، وإثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به، وتنزيهه عما لا يليق بجلاله، والوقوف عند حدود الشرع في القول والعمل.

ومن هذا الباب يُفهم إنكار الاستشفاع بالله على الخلق؛ لأن الله سبحانه هو المعبود العظيم، الذي يتوجه إليه العباد بالدعاء والعبادة، ولا يُجعل في مقام من يُستشفع به عند أحد من خلقه.

غير أن تقرير هذا الأصل الشرعي لا يغني عن التثبت من الحديث الذي وردت فيه العبارة، ولا يجعل صحة المعنى وحدها كافية للحكم بصحة الإسناد؛ فلكل باب قواعده، ويجب الجمع بين تعظيم النصوص الشرعية والالتزام بأمانة النقد الحديثي.

● الخلاصة:

١- حديث «نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك» قد اختلف أهل العلم في الحكم عليه؛ فمنهم من حسَّنه، ومنهم من ضعَّفه، ومن أبرز من ضعَّفه الإمام الألباني رحمه الله، وقد حسَّنه أو قوّى إسناده بعض أهل العلم، ومنهم ابن القيم وابن حجر رحمهما الله تعالى.

٢- لا بد من التفريق بين الحكم على الحديث من جهة الإسناد، وبين صحة المعنى الذي اشتمل عليه؛ فقد يكون الإسناد ضعيفا، والمعنى صحيحا تشهد له أدلة أخرى.

٣- قول الأعرابي «نستشفع بك على الله» معناه طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو طلب مشروع من الحي القادر على الدعاء.

٤- وأما قوله «ونستشفع بالله عليك»، فالمقصود به جعل الله تعالى شفيعا عند أحد من خلقه، وهذا هو المعنى الذي أنكره أهل العلم لما فيه من عدم تعظيم الله تعالى حق تعظيمه.

٥- الواجب في هذه المسألة الإنصاف لأهل العلم، ورد الأقوال إلى الدليل، وعدم التعصب لتصحيح عالم أو تضعيفه، مع حفظ مكانة أئمة الحديث والاعتراف باجتهاداتهم.

والله تعالى أعلم.

وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أخوكم في الله والدَّاعي لكم بالخيرات والمَسرَّات /

أبو إسحاق زُهير بن عيسى المرزوقي الهلالي
-غفر الله له وعلَّمه ورحمه-

الجزائر المحروسة -صانها الله وسائر بلاد المسلمين-

ضحى السبت ال ٢٩ / ربيع الآخر / ١٤٤٨ هـ
الموافق ل: ١٠ / أكتوبر / ٢٠٢٦ م

Scroll to Top